ابن كثير
403
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
عن ذلك وزجركم عنه . ثم قال تعالى : وَإِذا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتاعاً فَسْئَلُوهُنَّ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أي وكما نهيتكم عن الدخول عليهن كذلك لا تنظروا إليهن بالكلية ، ولو كان لأحدكم حاجة يريد تناولها منهن ، فلا ينظر إليهن ولا يسألهن حاجة إلا من وراء حجاب . وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا ابن أبي عمر ، حدثنا سفيان عن مسعر عن موسى بن أبي كثير عن مجاهد عن عائشة قالت : كنت آكل مع النبي صلى اللّه عليه وسلم حيسا في قعب ، فمر عمر فدعاه فأكل ، فأصابت إصبعه إصبعي ، فقال حسن أو أوه لو أطاع فيكن ما رأتكن عين ، فنزل الحجاب ذلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ أي هذا الذي أمرتكم به وشرعته لكم من الحجاب أطهر وأطيب . وقوله تعالى : وَما كانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْواجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَداً إِنَّ ذلِكُمْ كانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيماً قال ابن أبي حاتم : حدثنا علي بن الحسين ، حدثنا محمد بن أبي حماد ، حدثنا مهران عن سفيان عن داود بن أبي هند عن عكرمة عن ابن عباس في قوله تعالى : وَما كانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ قال : نزلت في رجل هم أن يتزوج بعض نساء النبي صلى اللّه عليه وسلم بعده ، قال رجل لسفيان : أهي عائشة ؟ قال : قد ذكروا ذلك . وكذا قال مقاتل بن حيان وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم ، وذكر بسنده عن السدي إن الذي عزم على ذلك طلحة بن عبيد اللّه رضي اللّه عنه ، حتى نزل التنبيه على تحريم ذلك ، ولهذا اجتمع العلماء قاطبة على أن من توفي عنها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من أزواجه أنه يحرم على غيره تزوجها من بعده ، لأنهن أزواجه في الدنيا والآخرة وأمهات المؤمنين كما تقدم ، واختلفوا فيمن دخل بها ثم طلقها في حياته : هل يحل لغيره أن يتزوجها ؟ على قولين مأخذهما هل دخلت هذه في عموم قوله مِنْ بَعْدِهِ أم لا ؟ فأما من تزوجها ثم طلقها قبل أن يدخل بها ، فما نعلم في حلها لغيره والحالة هذه نزاعا ، واللّه أعلم . وقال ابن جرير « 1 » : حدثني محمد بن المثنى ، حدثنا عبد الوهاب ، حدثنا داود عن عامر أن نبي اللّه صلى اللّه عليه وسلم مات وقد ملك قيلة ابنة الأشعث - يعني ابن قيس - فتزوجها عكرمة بن أبي جهل بعد ذلك ، فشق ذلك على أبي بكر مشقة شديدة ، فقال له عمر : يا خليفة رسول اللّه إنها ليست من نسائه ، إنها لم يخيرها رسول اللّه ولم يحجبها ، وقد برأها اللّه منه بالردة التي ارتدت مع قومها : قال : فاطمأن أبو بكر رضي اللّه عنه وسكن ، وقد عظم اللّه تبارك وتعالى ذلك ، وشدد فيه وتوعد عليه بقوله : إِنَّ ذلِكُمْ كانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيماً ثم قوله تعالى : إِنْ تُبْدُوا شَيْئاً أَوْ تُخْفُوهُ فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً أي مهما تكنه ضمائركم وتنطوي عليه سرائركم ، فإن اللّه يعلمه ، فإنه لا تخفى عليه خافية يَعْلَمُ خائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَما تُخْفِي الصُّدُورُ [ غافر : 19 ] .
--> ( 1 ) تفسير الطبري 10 / 327 .